الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

243

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقرأ الجمهور وَنُحاسٌ بالرفع عطفا على شُواظٌ . وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وروح عن يعقوب مجرورا عطفا على نارٍ فيكون الشواظ منه أيضا ، أي شواظ لهب من نار ، ولهب من نحاس ملتهب . وهذه نار خارقة للعادة مثل قوله تعالى : وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ * [ البقرة : 24 ] . ومعنى فَلا تَنْتَصِرانِ : فلا تجدان مخلصا من ذلك ولا تجدان ناصرا . والناصر : هنا مراد منه حقيقته ومجازه ، أي لا تجدان من يدفع عنكما ذلك ولا ملجأ تتّقيان به . [ 36 ] [ سورة الرحمن ( 55 ) : آية 36 ] فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 36 ) تكرير كالقول في الذي وقع قبله قريبا . [ 37 - 40 ] [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 37 إلى 40 ] فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّماءُ فَكانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهانِ ( 37 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 38 ) فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ ( 39 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 40 ) تفريع إخبار على إخبار فرع على بعض الخبر المجمل في قوله : سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ [ الرحمن : 31 ] إلى آخره ، تفصيل لذلك الإجمال بتعيين وقته وشيء من أهوال ما يقع فيه للمجرمين وبشائر ما يعطاه المتّقون من النعيم والحبور . وقوله : فَكانَتْ وَرْدَةً تشبيه بليغ ، أي كانت كوردة . والوردة : واحدة الورد ، وهو زهر أحمر من شجرة دقيقة ذات أغصان شائكة تظهر في فصل الربيع وهو مشهور . ووجه الشبه قيل هو شدة الحمرة ، أي يتغير لون السماء المعروف أنه أزرق إلى البياض ، فيصير لونها أحمر قال تعالى : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ [ إبراهيم : 48 ] . ويجوز عندي : أن يكون وجه الشبه كثرة الشقوق كأوراق الوردة . والدهان ، بكسر الدال : دردي الزيت . وهذا تشبيه ثان للسماء في التموج والاضطراب . وجملة فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ معترضة بين جملة الشرط وجملة الجواب وقد مثّل بها في « مغني اللبيب » للاعتراض بين الشرط وجوابه ، وعين كونها معترضة لا حالية ،